الخليفة الذي أنقذ الدولة الأموية وأعاد بناءها
عندما وصل أبو الملوك إلى الخلافة، كانت الدولة الأموية تكاد تكون قد تمزقت من الداخل ... الثورات في كل مكان، ومنافسون على الخلافة ، وأقاليم خرجت عن طاعة دمشق ، وجيش لا يعرف إلى أين يتجه.
كانت الدولة التي تركها معاوية بن أبي سفيان ومن جاء بعده تواجه واحدة من أخطر لحظاتها ، وفي وسط هذا الاضطراب ظهر رجل لم يكن من السهل أن يحكمه الخوف.
إنه أبو الملوك عبدالملك بن مروان
تولى الخليفة الأموي الخامس الخلافة في سن التاسعة والثلاثين من عمره تقريباً، ولم يرث دولة مستقرة أو قوية، بل تسلّم عرشاً تتهدده الصراعات وأقاليم تكاد تضيع. إلا أن السنوات التي تلت ذلك أثبتت أنه لم يكن مجرد حاكم عادي، بل كان الرجل الذي قضى عقوداً من عمره في إعادة بناء هيكل الدولة الأموية من جديد، ليصبح واحداً من أكثر الخلفاء تأثيرًا في التاريخ الإسلامي.
من هو أبو الملوك ؟
هو عبد الملك بن مروان بن الحكم، خامس خلفاء الدولة الأموية، وُلد في المدينة المنورة سنة 26هـ / 646م تقريبًا.
كانت نشأته في بيت له مكانة كبيرة بين بني أمية، بالتالي و منذ صغره كان قريبًا من العلم والسياسة كما وتذكر المصادر أنه كان معروفًا بالذكاء والفصاحة والقدرة على إدارة الأمور .
لكن حياته لم تبدأ كحياة خليفة ، فقد كان يعيش في المدينة ويعرف مجالس العلماء والفقهاء ، حتى جاءت اللحظة التي تغير فيها كل شيء وذلك عندما توفي والده مروان بن الحكم سنة 65هـ / 685م، فتولى هو الخلافة من بعده .
الدولة الأموية قبل عبد الملك
لفهم شخصية عبد الملك بن مروان، يجب أن نعود قليلًا إلى الوراء ، بعد وفاة معاوية بن أبي سفيان، عندما دخلت الدولة الأموية في سلسلة من الصراعات ، ثم جاءت الفتنة الثانية ، وهي واحدة من أعنف الفترات في التاريخ الإسلامي فقد كان هناك أكثر من طرف ينازع على السلطة.
في مكة كان عبد الله بن الزبير قد بسط نفوذه على مناطق واسعة من العالم الإسلامي ، و في العراق ظهرت حركات وثورات مختلفة ، وفي الشام نفسها لم تكن الأمور مستقرة تمامًا ، وبذلك أصبح العالم الإسلامي منقسمًا.
أما عن عبد الملك نفسه فقد جلس في دمشق وهو يعرف أن أمامه مهمة صعبة جدًا وهى إعادة توحيد الدولة.
عبد الملك بن مروان وعبد الله بن الزبير
كان عبد الله بن الزبير من أقوى خصوم الدولة الأموية ، فقد أعلن نفسه خليفة، وسيطر على مكة والمدينة والعراق وأجزاء كبيرة من الجزيرة العربية ومناطق أخرى ، وبقي الصراع بين الطرفين سنوات حيث لم يكن عبد الملك يستطيع أن يحكم العالم الإسلامي كله بينما يبقى ابن الزبير في مكة صاحب نفوذ قوي .
في النهاية قرر أن يحسم الأمر ، أرسل جيشًا بقيادة الحجاج بن يوسف الثقفي إلى الحجاز ، و وصل الحجاج إلى مكة، وبدأ حصارها سنة 72هـ / 692م ، وكان ذلك من أكثر الأحداث قسوة في تاريخ تلك المرحلة ، استمر الحصار، وضاقت الحياة على أهل مكة، حتى انتهى الأمر بمقتل عبد الله بن الزبير.
وبموته انتهى أحد أكبر التحديات التي واجهت عبد الملك ، وأصبحت الخلافة الأموية مرة أخرى تحت حكم خليفة واحد ، لكن عبد الملك كان يعرف أن السيطرة على الأرض وحدها لا تكفي ، فالدولة التي خرجت من سنوات طويلة من الحرب تحتاج إلى إعادة بناء.
الحجاج بن يوسف.. الرجل الذي اعتمد عليه عبد الملك :
من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في عهد عبد الملك الحجاج بن يوسف الثقفي ، فقد كان الحجاج شديد القوة، سريع الحسم، ولا يتردد في استخدام القسوة ضد خصوم الدولة ، وقد اختلف الناس حوله كثيرًا ، منهم من رآه رجل دولة قويًا ساعد في تثبيت الدولة الأموية، ومنهم من رأى في سياسته مثالًا على القسوة الشديدة.
لكن شيئًا واحدًا واضح:
عبد الملك وثق به ؤ ولم يكن الحجاج مجرد قائد عسكري ، أصبح واحدًا من أهم رجال الدولة الأموية، وساعد في إعادة فرض سلطة دمشق على العراق والمشرق ، وقد كان العراق في ذلك الوقت من أكثر المناطق اضطرابًا، ولذلك كان إخضاعه وإعادة تنظيمه خطوة مهمة في استقرار الدولة.
عبد الملك يعيد بناء الدولة
بعد انتهاء الصراع مع ابن الزبير، بدأ عبد الملك مرحلة مختلفة ، لم يعد همه الأول هو البقاء في السلطة بل أصبح السؤال:
كيف يمكن منع الدولة من الانهيار مرة أخرى؟
هنا بدأ مشروعه الكبير حيث :
١- أعاد تنظيم الإدارة .
٢- قوى سلطة الدولة المركزية .
٣- اهتم بالجيش والاقتصاد والدواوين.
تعريب الدواوين
من أهم خطواته تعريب الدواوين ، فقد كانت بعض الدواوين تستخدم لغات مختلفة، خاصة الفارسية في العراق وخراسان، واليونانية في بلاد الشام فأصبحت العربية لغة الإدارة الرسمية بصورة أوسع.
وقد كان لهذا القرار أثر كبير على الدولة الإسلامية، لأنه جعل اللغة العربية أكثر ارتباطًا بالإدارة والحكم في مناطق واسعة.
أول عملة إسلامية خالصة :
من أهم إنجازات عبد الملك أيضًا إصلاح النظام النقدي ، فبدأت الدولة الأموية في عهده سك عملات إسلامية تحمل طابعًا خاصًا بالدولة الإسلامية بدل الاعتماد على النماذج النقدية البيزنطية والساسانية ، وظهرت الدنانير والدراهم الإسلامية ذات الكتابات العربية والتصميم الإسلامي.
ولم تكن هذه الخطوة مجرد مسألة اقتصادية ، كانت رسالة سياسية أيضًا ، الدولة الإسلامية أصبحت تقول بوضوح:
لدينا لغتنا، ولدينا إدارتنا، ولدينا عملتنا.
ومن هنا أصبح عبد الملك أحد أهم الخلفاء في عملية بناء مؤسسات الدولة الإسلامية بشكل أكثر استقلالًا.
مسجد قبة الصخرة :
بناها عبد الملك بن مروان في أواخر القرن الأول الهجري، وأصبحت واحدة من أعظم المعالم المعمارية في الحضارة الإسلامية ، فلم تكن قبة الصخرة مجرد مبنى جميل ، بل إعلانًا عن قوة الدولة ، وازدهارها ، وقدرتها على بناء منشآت ضخمة في قلب مدينة ذات مكانة دينية عظيمة فظلت قبة الصخرة حتى اليوم شاهدة على عصر عبد الملك بن مروان.
لماذا لقب عبد الملك بأبي الملوك؟
من الأمور اللافتة في تاريخ عبد الملك أنه كان أبًا لعدد من الأبناء الذين أصبحوا حكامًا وأمراء، ومن أشهرهم الوليد بن عبد الملك وسليمان بن عبد الملك ويزيد بن عبد الملك وهشام بن عبد الملك ، ولهذا ارتبط اسمه أحيانًا بلقب "أبي الملوك".
وقد جاء بعده عدد من أبنائه في الخلافة، واستمرت الدولة الأموية في مرحلة القوة التي بدأت تتشكل بشكل واضح في عهده.
عبد الملك بن مروان.. وجه آخر للخليفة
من الخطأ أن ننظر إلى عبد الملك باعتباره مجرد رجل دولة ناجح ، فحكمه كان مليئًا بالأحداث الدموية والصراعات ، فقد استخدم القوة ضد خصومه، واعتمد على رجال شديدي الحزم مثل الحجاج، وقامت في عهده معارك وثورات كثيرة ، وهذا يجعل صورته التاريخية مختلفة من مصدر إلى آخر.
البعض يراه الخليفة الذي أنقذ الدولة الأموية من التفكك ..... والبعض الآخر يتذكر القسوة التي صاحبت تثبيت حكمه.
والحقيقة أن الشخصيات التاريخية الكبيرة نادرًا ما تكون بيضاء أو سوداء بالكامل ، و عبد الملك كان ابن عصره، وعصره كان عصر صراعات وحروب على السلطة.
السنوات الأخيرة من عمر الخليفة الأموي:
بعد سنوات طويلة من الحروب، بدأت الدولة الأموية تستعيد قوتها ، حيثأصبحت دمشق مركزًا قويًا، وامتدت سلطة الدولة من جديد على مناطق واسعة.
وفي عهد عبد الملك بدأ الطريق نحو مرحلة وصلت فيها الدولة الأموية إلى واحدة من أعظم درجات قوتها ، خاصة في عهد ابنه الوليد بن عبد الملك.
وفاته :
عبد الملك لم يعش ليرى كل نتائج مشروعه ، فقد توفي سنة 86هـ / 705م ، بعد أن ترك وراءه دولة مختلفة تمامًا عن تلك التي تسلمها ، عندما وصل إلى الخلافة فقد كانت الدولة مهددة بالانقسام ، وعندما مات، كانت الدولة الأموية أكثر قوة وتنظيمًا واستقرارًا.
ماذا بقي من عبد الملك بن مروان؟
تنبع أهمية عبد الملك بن مروان في أنه لم يكن خليفة عاش في زمن القوة فقط ، بل جاء في وقت كانت فيه الدولة الأموية مهددة بالسقوط ... فأعاد توحيدها، وقوى إدارتها، وعرب دواوينها، وأصدر عملتها، وبنى قبة الصخرة، ومهد لمرحلة جديدة من القوة الأموية.
ويظل خلف هذه الإنجازات أيضًا قصة إنسان عاش سنواته في عالم مليء بالخوف والحروب ، كان يعرف أن أي خطأ قد يعيد الدولة إلى الفوضى ، ولهذا ربما يمكن فهم الكثير من قراراته إذا وضعناها في سياق عصره ، فقد كان عبد الملك يرى الدولة أمامه وهي تتفكك، فاختار أن يمسك بها بكل قوته.
قد يختلف الناس حول الطريقة التي فعل بها ذلك، لكن النتيجة بقيت واضحة:
لقد أعاد بناء الدولة الأموية من جديد ، ولهذا عندما نتحدث عن أعظم خلفاء بني أمية، يصعب أن نتجاوز اسم عبد الملك بن مروان ، فهو لم يكن فقط الرجل الذي جلس على عرش دمشق.
كان الرجل الذي تسلم دولة منهكة، وخاض من أجلها سنوات طويلة من الصراع، ثم تركها أكثر قوة مما كانت عليه ، وربما لهذا السبب ظل اسمه حاضرًا بعد أكثر من ثلاثة عشر قرنًا.
عبد الملك بن مروان.. الخليفة الذي جاء في زمن الانقسام، وترك وراءه دولة موحدة تستعد لأحد أعظم عصورها.
كل المعلومات فى مدونه قصص بطولات إسلاميه هى من الكتب المتوفره على الانترنت ويمكن تنزيلها بسهولة بالاضافة الى العديد من الكتب الورقية التي أفضل شخصيا البحث فيها لعشقنا للكتاب الحقيقي و يمكنك أن تتعرف على بعض مصادرنا من خلال مراجعة موضوع مصادرنا من المراجع والكتب نفع الله بنا وبكم و أسكنكم فسيح جناته
























